top of page
  • مدير النشر

الفساد وثلاثية الأمن والتنمية والديمقراطية



يحيل الفساد بصوره المختلفة على سوء استعمال السلطة، وتوظيفها لخدمة أغراض خاصة، بما يتنافى مع مقتضيات القوانين؛ وهو يختلف بين صوره السياسية، وما يرتبط بها من خداع وتزوير لإرادة الجماهير، وبين مظهره الإداري المتصل باستغلال السّلط المخوّلة بشكل غير مشروع لتحقيق مصالح شخصية، وبين تجلياته المالية التي تحيل على السّطو على المال العام والاغتناء غير المشروع.

وتتنوّع أشكال هذه الآفة بين فساد محلي، يصيب مختلف الهيئات والقطاعات العمومية داخل الدولة، وغالبا ما تنحصر تداعياته داخليا؛ وآخر دولي يتجاوز من حيث أسبابه وانعكاساته حدود الدولة الواحدة.

احتفى العالم قبل أسابيع (9 ديسمبر) باليوم العالمي لمكافحة الفساد، وهو التاريخ الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة كمناسبة للتوعية بمخاطر الفساد، وبأهمية الاتفاقية الدولية التي اعتمدتها الهيئة عام 2003، ودخلت حيز التنفيذ عام 2005؛ في مكافحته. كما أن الذكرى تشكل فرصة لتشجيع المبادرات الرامية إلى الحد من الظاهرة، والتأكيد على أهمية التعاون الدولي في هذا الخصوص، وكذا إطلاق نقاشات بناءة تبرز العلاقة بين كسب هذا الرهان من جهة وتحقيق السلام والتنمية والديمقراطية من جهة أخرى.

ينطوي الفساد على مجموعة من الأسباب التي تتأرجح بين عوامل سياسية متصلة بعدم الاستقرار السياسي، وبضعف أو عدم فعالية المؤسسات السياسية والدستورية، وانتشار المحسوبية، وضعف المشاركة السياسية، وانخفاض حرية التعبير والصحافة؛ وأسباب اقتصادية متصلة بالهشاشة الاجتماعية، وضعف الحرية الاقتصادية، وغياب شروط المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص في الولوج إلى المشاريع والصفقات؛ وأخرى اجتماعية لها علاقة بتفشي الفقر والبطالة، وانتشار الجشع وتفضيل المصالح الشخصية على العامة، والاستهتار بالقوانين، وانخفاض مستوى التعليم، ووجود اختلالات على مستوى التنشئة الاجتماعية والتربية على المواطنةـ أو القدرة على فضح الفساد. وهناك أسباب قانونية وإدارية أيضا، تتعلق بعدم مواكبة القوانين للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وبضعف الرقابة على المال العام، ووجود تعقيدات بيروقراطية، وعدم كفاءة العنصر البشري داخل الإدارات، علاوة على عدم استقلالية الهيئات القضائية.

ولا تخفى الانعكاسات الخطيرة التي يخلفها الفساد بالنسبة للدولة والمجتمع، وهي انعكاسات ترهن الحاضر، وتهدد مصالح الأجيال القادمة، فلا يمكن للتنمية المستدامة أن تتحقق مع تفشي هذه الفساد بكل اشكاله، فهذا الأخير يهدد أركانها (التنمية)، من حيث تكريس مظاهر الإثراء بلا سبب، كما أنه يحرم خزينة الدولة من موارد عديدة بسبب النهب والتهرب الضريبي، وإهدار الأموال العامة، أو تهريبها نحو الخارج، ما يؤثر بالسلب على إنجاز مشاريع تنموية في عدد من القطاعات الحيوية، كالصحة والسكن والتعليم والبنى التحتية. كما يتسبب الفساد في التأثير بالسلب على مناخ الاستثمار، وفي هروب الرساميل الأجنبية، وإضعاف الاستثمارات الوطنية، كما يقتل روح المبادرة والاجتهاد.

ولا يمكن للديمقراطية أن تترعرع في وسط فاسد، فالفساد بشبكاته يجسد ما يشبه “الدولة داخل الدولة”، ويقوّض مؤسساتها، من حيث تزوير إرادة الناخب، وعرقلة كل إصلاح حقيقي يدعم بناء الدولة على أسس متينة، قادرة على إنفاذ القوانين وحماية الحقوق والحريات.

وعلى المستوى الأمني، ينخر الفساد جسم الدولة ويكرّس روح الانتقام، وعدم الثّقة في المؤسسات السياسية للدولة والاستهتار بالقوانين، وهو أيضا من ضمن العوامل المغذية للصراعات والأزمات التي تكرس عدم الاستقرار والإفلات من العقاب، وتحول دون إرساء سلام المستدام. وكثيرا ما أبرزت الممارسات علاقة الفساد بالإرهاب.

ويشير مؤشر مدركات الفساد الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية برسم عام 2023 إلى أن عددا من البلدان في منطقتي الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مازالت تحتل مواقع متدنية ضمن هذا التصنيف الذي يعني 180 دولة، ما يفرض بذل مزيد من الجهود في هذا الصدد.

إن مكافحة الفساد تبدأ باستيعاب مخاطره وانعكاساته على تطور المجتمعات، وبإرساء تعاون دولي وإقليمي يدعم محاصرة منابعه، وتشجيع مختلف الدول على الانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمكافحته. وعلى المستويات الوطنية يتطلب الأمر بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز آليات الرقابة على المال العام وعلى العمل الإداري في إطار ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتأهيل المشهد السياسي، وتبنّي الحوكمة في تدبير الشأنين العام والخاص، بالإضافة إلى التوعية بمخاطر الظاهرة وبالتشريعات التي تجرمها، وبلورة تنشئة مبنية على المحاسبة، وعلى الجرأة في فضح الفساد ومقاومته، تقودها مختلف القنوات التقليدية والحديثة.

إدريس لكريني/ أستاذ العلاقات الدولية وإدارة الأزمات

Comments

Rated 0 out of 5 stars.
No ratings yet

Add a rating
bottom of page